الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
454
مختصر الامثل
إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَاناً مَرِيداً ( 117 ) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ( 118 ) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً ( 119 ) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً ( 120 ) أُولئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً ( 121 ) مكائد الشيطان : إنّ الآية الأولى تشرح أوضاع المشركين الذين أشارت إليهم الآية السابقة لهذه الأخيرة وهذه الآية إنّما تبيّن سبب ضلال المشركين ، فتذكر أنّهم يعانون من ضيق شديد في أفق تفكيرهم ، إذ يتركون عبادة اللَّه خالق ومنشىء عالم الوجود الوسيع ، ويخضعون أمام المخلوقات التي لا تملك أقل أثر إيجابي في الوجود ، بل هي - أحياناً - مضللة كالشيطان : « إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا » . إنّ هذه الآية تحصر أصنام المشركين بنوعين من المخلوقات هما « إناث » و « شيطان مريد » . « إناث » : تعني المخلوق الرقيق اللطيف والمرن . أي أنّ المشركين يعبدون مخلوقات ضعيفة ومطاوعة بين يدي الإنسان ، وأنّ وجود هذه المخلوقات بكاملها قابل للتأثر والانحناء أمام الأحداث ، وبعبارة أوضح : أنّها موجودات لا تملك الإرادة والاختيار ولا تنفع ولا تضرّ شيئاً أبداً . و « مريد » : مأخوذة من مادة « مرد » بمعنى سقوط أوراق وأغصان الشجر ولهذا سمّي الشاب اليافع الذي لم ينبت الشعر في وجهه بالأمرد ، وعلى هذا فإنّ الشيطان المريد يعني ذلك الشيطان الذي سقطت منه جميع صفات الفضيلة ولم يبق في وجوده شيء من مصادر القوّة . إنّ القرآن قسم أصنام هؤلاء المشركين إلى نوعين : بعضها ضعيف الإرادة مطلقاً والبعض الآخر طاغ متكبر متجبر ، لكي يبيّن أنّ الذي يسلم قياده ويخضع لمثل هذه الأصنام إنّما يعيش في ضلال واضح مبين .